السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

31

مفاتيح الأصول

ولكثرة المنقولات اللغوية والعرفية والشرعية مع كون الغالب في النقل حصوله بغلبة الاستعمال لا بالوضع الابتدائي ولأن ألفاظ القرآن والحديث في أعلى طبقات البلاغة وأرفعها وبلاغة الكلام وارتفاعه ليس إلا باشتماله على اللطائف والنكات الزائدة التي لا تحصل إلا بوجوه الاستعارات والكنايات إذ بدون ذلك يكون الكلام مفيدا لأصل المقصود من دون اعتبار أمر زائد عليه فلا يكون بليغا فكان المجاز هو الغالب فيهما كما في كلام الخطباء والبلغاء والشعراء فإن هؤلاء لما أرادوا أن يكون كلامهم مرتفعا عن كلام غيرهم ولا يحصل ذلك إلا بترك الألفاظ المبذولة والحقائق المغسولة عمدوا إلى المجازات الرائقة والاستعارات الفائقة فأكثروا منها في استعمالاتهم حتى صارت هي الغالب على كلامهم ولأن فرض وجود معنى حقيقي بلا مجاز نادر في الغاية فإذا تتبعت وجدت بإزاء كل معنى حقيقي معان مجازية ولأن أكثر اللغات المثبتة في كتب اللغة مجازات وأما الثاني فلما اشتهر بينهم من أن الفرد المشكوك فيه يلحق بالغالب ولذا اختار أبو يوسف في تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح الحمل على الأخير أو لتعارض رجحان الحقيقة باعتبار الأصل مع رجحان المجاز باعتبار الغلبة ولذا توقف أكثر الأصوليين في المسألة المزبورة لأنا نقول هذه المناقشة فاسدة جدا لأن غلبة المجاز ممنوعة والوجهان المذكوران لإثباتها لا يصلحان له أما الأول فلمعارضته بإنكار المعظم غلبته بل صرّح التلمساني في حاشية المعالم بأن الغالب الحقيقة وما ذكر أولى بالترجيح لا يقال لا نسلَّم الأولوية بل العكس أولى لأن شهادة الإثبات مقدمة على شهادة النفي على أنا نمنع من إنكار المعظم لذلك وقولهم الأصل في الاستعمال الحقيقة لا يدل عليه إذ لا منافاة بين دعوى الغلبة ودعوى الأصالة المذكورة وقد جمع بينهما أبو حنيفة في مسألة تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجع حيث قدم الحقيقة وما ذكره ابن التلمساني لا يقاوم ما ذكره هؤلاء الجماعة لكثرتهم وعدم ثبوت كون ابن التلمساني ممن يعتمد عليه لأنا نقول لا نسلَّم أن كل إثبات مقدّم على النفي نعم لو كان النفي مرجعه إلى عدم الوجدان كان الإثبات مقدما على أن الإثبات في مثل المقام مما ينبغي اطلاع الكل عليه عادة فاختصاص نادر بالاطلاع عليه مع تساوي الكل بعيد إن لم يكن محالا عاديا وعلى هذا فعدم الوجدان من المشهور يدفع دعوى وجدان هؤلاء فكيف بوجدانهم العدم وأما المنع من إنكار المشهور فليس في محلَّه جدّا فإن التتبع في كلماتهم يكشف عما ذكرناه وذلك لأن منهم من أحاله وهو قوم على ما حكي ومنهم من أنكر وقوعه في اللغة وهو أبو علي الفارسي وأبو إسحاق ومتابعوه على ما حكي ومنهم من منع وقوعه في القرآن وهو الظاهرية على ما حكي بل حكي عن الإمامية ومنهم من منع وقوعه في السنة وهو أبو بكر بن داود الأصفهاني ومنهم من صرّح بأن المجاز ليس غالبا وهو العلامة في النهاية ومنهم من صرّح بأن مجرّد الاستعمال يدل على الحقيقة وهو السيّد المرتضى رحمه الله وابن زهرة واستند في ذلك إلى غلبة الحقيقة ومنهم من صرح بأن الأصل وجوب حمل اللفظ على الحقيقة إذ لو كان المجاز غالبا لما صرّحوا بذلك فإن مذهبهم في تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح التوقف هذا ويحتمل كلام من ادعى أن أكثر اللغات مجازات وجوها أحدها أن المعاني المجازية في اللغة أكثر من المعاني الحقيقية بمعنى أن ما يصح استعمال اللفظ فيه مجازا وإن لم يستعمل بالفعل أكثر مما يصح استعماله فيه حقيقة قال بعض الأفاضل وينبغي القطع بغلبة المجاز بهذا المعنى وثانيها أن ما استعمل فيه اللفظ مجازا أكثر مما استعمل فيه حقيقة قال بعض الأفاضل الظاهر ثبوت الغلبة بهذا المعنى إذ الغالب في الألفاظ اتحاد الحقيقة وتعدد المجاز وثالثها أن أكثر المعاني المثبتة في كتب اللَّغة مجازات قال بعض الأفاضل والظاهر ثبوت هذه الغلبة أيضا ومع هذه الاحتمالات كيف يبقى وثوق بشهادة الإثبات حتى يعارض بها شهادة النفي فإن قلت هذه الاحتمالات بعيدة من كلام المثبت والمعتبر في الشهادة ظاهر العبارة قلت الحمل على الظاهر يقتضي عدم الحمل عليه فتأمل وأما الثاني فللمنع من شهادة الاستقراء بغلبة المجاز على الحقيقة بل الأمر بالعكس إذ لا ريب في أن أكثر الاستعمالات التي تدور بين الناس في محاوراتهم ومخاطباتهم ليست بمجازات وإن كان استعمالات أقل الناس كالخطباء والشعراء كذلك على ما ادعاه بعضهم فيما حكي عنه وذلك فيما يختص بهم من الخطب والأشعار لا مطلقا وقد أشار إلى ما ذكر بعض الأفاضل وأما غلبة التخصيص في العمومات فلا يستلزم غلبة التجوز في سائر الألفاظ ولا في الألفاظ العامة من جهة أخرى ثم إن كل ذا على تقدير كون استعمال العام في الباقي بعد التخصيص مجازا وأما على تقدير القول بالحقيقة فلا إشكال أصلا وأما غلبة استعمال الأوامر والنواهي في غير الوجوب والحرمة فممنوعة وتوقف جماعة في المجرد منها معارض بذهاب الأكثر إلى الحمل على الحقيقة عند التجرد عن القرينة وكذلك نمنع غلبة التجوز فيما عدا الأعلام من المعارف لعدم معلومية ذلك بل الغالب استعمالها في المعنى الحقيقي بناء على أن الوضع فيها عام